الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

20

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والأنصار مثل : وَفاكِهَةً وَأَبًّا [ عبس : 31 ] ومثل أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [ النحل : 47 ] « 1 » إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 114 ] وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 36 ] « 2 » . سابعتها : مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها ، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه ، صار حقيقة عرفية : كالتيمّم ، والزكاة ، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال : كالربا قال عمر : « نزلت آيات الربا في آخر ما أنزل فتوفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم يبيّنها » وقد تقدم في سورة البقرة . ثامنتها : أساليب عربية خفيت على أقوام فظنّوا الكلام بها متشابها ، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ومثل المشاكلة في قوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] فيعلم السامع أنّ إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة . وتاسعتها : آيات جاءت على عادات العرب ، ففهمها المخاطبون ، وجاء من بعدهم فلم يفهموها ، فظنّوها من المتشابه ، مثل قوله : فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] ، في « الموطأ » قال ابن الزبير : « قلت لعائشة - وكنت يومئذ حدثا لم أتفقّه - لا أرى بأسا على أحد ألّا يطوف بالصفا والمروة » فقالت له : « ليس كما قلت إنّما كان الأنصار يهلون لمناة الطاغية » إلخ . ومنه : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 187 ] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا [ المائدة : 93 ] الآية فإنّ المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها . عاشرتها : أفهام ضعيفة عدت كثيرا من المتشابه وما هو منه ، وذلك أفهام الباطنية ، وأفهام المشبّهة ، كقوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [ القلم : 42 ] . وليس من المتشابه ما صرّح فيه بأنّا لا نصل إلى علمه كقوله :

--> ( 1 ) روي أن عمر قرأ على المنبر أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فقال : ما تقولون في التخوف فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا ، التخوف التنقص فقال عمر : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال : نعم قول أبي بكر يصف ناقته - تخوف الرجل منها تامكا قردا - كما تخوف عود النبعة السفن . ( 2 ) عن ابن عباس : لا أدري ما الأواه وما الغسلين .